التاريخ : 2026-11-03
من كنيسة حمود إلى الاقتصاد الوطني: حين يُستهدف الإنسان يُستهدف الوطن
بقلم: أ.د. خالد واصف الوزني
أستاذ الاقتصاد والسياسات العامة
كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية
لم تكن الجريمة الإرهابية التي شهدتها كنيسة حمود في الكرك مجرد اعتداء على أرواح بريئة اجتمعت لتوديع فقيدتها، بل كانت اعتداءً على أحد أهم الأصول الاستراتيجية التي يمتلكها الأردن: نسيجه الاجتماعي الواحد، ورأسماله البشري، وأمنه المجتمعي. ومن منظور اقتصادي، فإن ما حدث لا يمكن اختزاله في خسائر بشرية فاجعة، على جسامتها؛ إذ امتدت آثاره إلى الثقة والاستقرار والبيئة الاستثمارية، وهي مقومات لا تقل أهمية عن البنية التحتية والموارد المالية في بناء الاقتصادات الوطنية.
لقد تعلمنا في الاقتصاد أن رأس المال ليس مجرد مصانع وآلات وأموال، بل هو أيضًا الإنسان بمعارفه ومهاراته، والمجتمع بعلاقاته وثقته المتبادلة. وما يُعرف اقتصاديًا بـ«رأس المال الاجتماعي» ليس مفهومًا نظريًا مجردًا، بل هو رصيد من الثقة والتعاون والانتماء، يخفض تكاليف المعاملات، ويعزز المبادرة والاستثمار، ويمنح الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الصدمات. ومن هنا، فإن التماسك الاجتماعي الأردني لم يكن يومًا مجرد ميزة اجتماعية، بل كان ولا يزال أحد أهم ممكنات الاستقرار الاقتصادي وجاذبية الاستثمار. وفي هذا السياق، أجدني غير مقتنع بالاكتفاء بالحديث عن «التسامح» بين المسلمين والمسيحيين في الأردن. فنحن لا نتحدث عن غرباء يتسامح بعضهم مع وجود بعض، بل عن مواطنين أصيلين، أسهموا معًا في بناء الدولة ومؤسساتها واقتصادها. والمسيحي الأردني ليس ضيفًا في وطنه، ولا أقلية تنتظر الاعتراف بها؛ إنه شريك أصيل في التاريخ والجغرافيا والهوية والمستقبل.
ولعل المعيار الوطني الأسمى لا يتعلق باسم الإنسان أو معتقده، وإنما بإخلاصه لوطنه، واحترامه للقانون، ومقدار ما يقدمه لمجتمعه واقتصاده ودولته، دون أن تنتقص المواطنة من حقوق أي إنسان بسبب اختلاف عطائه أو قدراته. لقد كان المسيحيون الأردنيون، منذ نشأة الدولة الحديثة، من المساهمين في تأسيس الاقتصاد الوطني وتطويره، وفي بناء مؤسسات القطاعين العام والخاص، وفي التعليم والطب والصيدلة والهندسة والمصارف والتجارة والصناعة والإدارة العامة. ولم تكن هذه مساهمة فئة منفصلة عن المجتمع، بل مساهمة أردنيين في بناء وطنهم. وما أجمل ذلك الاندماج الوطني الذي نراه في المسيحي الذي يحمل اسم محمد أو عمر أو خالد أو مصطفى؛ أسماء تختصر تاريخًا من التفاعل الإنساني والثقافي، وتؤكد أن الهوية الأردنية أوسع من التصنيفات الدينية الضيقة. وأذكر أن صديقًا عزيزًا قال لي يومًا، في تعبير لا يزال حاضرًا في ذاكرتي: «أنا مسيحي سُنّي، وثقافتي عربية مسيحية إسلامية سُنّية». ولعل في هذه العبارة من العمق الحضاري ما تعجز عنه عشرات الخطب عن التعايش؛ فهي تعبير عن انتماء متجذر، لا يرى في التنوع تناقضًا، بل ثراءً وامتدادًا للهوية الوطنية.
ولذلك، فإن ضحايا كنيسة حمود لم يكونوا مجرد أرقام في حصيلة مأساوية. لقد خسر الأردن أرواحًا وطاقات بشرية، بعضها يحمل خبرات ومهارات ومساهمات في الطب والصيدلة والهندسة والاقتصاد وغيرها. وكل إنسان يُفقد بهذه الصورة يمثل خسارة لعائلته ومجتمعه ووطنه، وخسارة لاستثمارات تراكمت عبر سنوات من التربية والتعليم والتأهيل والعمل. إن من يروّع الآمنين في دار عبادة، وهم يؤبنون فقيدتهم، يرتكب جريمة تتجاوز بعدها الديني إلى أبعاد اجتماعية وسياسية واقتصادية وأمنية. فهو يستهدف الثقة المجتمعية، ويهدد الشعور بالأمان، ويبعث برسائل سلبية إلى المستثمرين القائمين والمحتملين. فالاستثمار لا يبحث عن العائد وحده؛ بل يبحث قبل ذلك عن دولة آمنة، ومجتمع متماسك، ومؤسسات قادرة على حماية الإنسان والممتلكات وسيادة القانون. ومن هنا، فإن الإرهاب ليس تهديدًا للأمن العام فحسب، بل للأمن الاقتصادي والقومي أيضًا. ومحاسبة مرتكبيه وكل من تثبت مشاركته أو دعمه أو تحريضه، وفق القانون، ضرورة لحماية المجتمع والدولة.
أما الدرس الأهم، فهو أن تجنب الخطر أجدى بكثير من الاكتفاء بإدارته بعد وقوعه. والمطلوب تطوير منظومة وقائية ذكية ومدنية، تحمي دور العبادة والتجمعات والمناسبات الدينية والاجتماعية دون عسكرة الحياة العامة أو إشاعة الخوف، وتجمع بين الاستباق الأمني والتكنولوجيا والتوعية المجتمعية ومواجهة التطرف الفكري والاجتماعي والسياسي.
إن قوة الأردن لم تكن يومًا في تجانس أبنائه فحسب، بل في قدرتهم على بناء وطن واحد بتنوعهم، وعلى تحويل اختلافاتهم إلى مصدر قوة لا انقسام. فحين يُستهدف مسيحي في كنيسة، أو مسلم في مسجد، فإن المستهدف الحقيقي هو المواطن الأردني، ورأس المال البشري والاجتماعي للدولة، والثقة التي يقوم عليها الاقتصاد. وحماية هذه الثقة ليست واجبًا أمنيًا فحسب؛ إنها استثمار وطني في مستقبل الأردن.
فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، بل بالإنسان؛ ولا تُحمى بالسلاح وحده، بل بالمواطنة والعدل والثقة والانتماء.